ترمي بشررٍ: الأمير يَعلُو، والفقير يُعَاقَبُ ضِعفَين

2
1٬583

لا أعرفُ حقاً ما إذا كانت ترمي بشررٍ (2009) لعبده خال أفضل الروايات المُرشحةِ في سنتها، إذ أن الانطباعَ الذي خرجتُ بهِ بعد قراءتها أنها فازت بالبوكر لواحدٍ من سببين – أو كلاهما معاً: نظرية (المُحاصصة) بين الأقاليم العربية المختلفة – ويدعم هذا الرأي اتجاه البوكر إلى المغرب هذه السنة، أو رغبة لجنة التحكيم في أن تُميتَ من انتقدوها بغيظهِم. مع ذلك، فإن الرواية مسرودةٌ بشكلٍ جيد – في جزئها الرئيسي.

تنقسمُ ترمي بشررٍ إلى متنٍ رئيسي يرويه طارق فاضل، الشخصية الرئيسية في الرواية، يليه مدخل يرويه عبده خال – متنصلاً من سرد طارق فاضل، ثم إرشيفٌ يُفترض أن خال قد جمعه من صحفٍ محلية، وملفٌ يُفترض أن طارق فاضل قد تركه، وتُختتم الرواية بلمحاتٍ قصيرة عن مصائر شخصياتِ الرواية المختلفة. بهذه الطريقة، يُلقي خال العبء الأكبر في السرد على راوٍ صورتهُ عن الذاتِ وعن العالم مشوشة، ويتهرب من أي تبعاتٍ لروايته بالمدخلِ الذي يوضح فيه كيف وصلت الرواية إليه، ويُحاوِلُ إقناعَ القارئ بأن رواية طارق فاضل تحتمل المصداقية بالجزء التوثيقي في الرواية – وهذا توثيقٌ (مُصطنع)، بطبيعة الحال.

الاتهاماتُ التي وُجِهَت للرواية بترويجِ الفساد والحديث عن الشذوذ والفحش لتزيينه اتهاماتٌ غيرُ مبررةٍ، ولا سندَ لها في النص، فرغم أن موضوعَ الروايةِ يتعلق بفسادِ القصر، ورغم أن راوي الرواية لوطي، إلا أن النصَ يوجِهُ قارئه تلقائياً نحو إدانة سلوكِ الراوي وسلوكِ الشخصياتِ المُحيطة به، ويُهدد من يسلك هذا الطريق بالويل والثبور. والشخصية الوحيدة الإيجابية في الرواية شخصيةُ إبراهيم، الأخ الأصغر لطارق فاضل، إمام المسجد الذي يحاولُ لملمة ما انكسر من إخوته ومعارفه.

يتقابل في الروايةِ حيٌ عشوائي في جدة – يُسمى الحفرة أو النار – مع قصرٍ منيفٍ يبنيه السيد الأول على حدود الحي، فيجعلُ منتهى أملِ سكانِ الحي دخول القصر الذي يعدهم بأحلامِ الثراء والجنة. من الحي، يدخلُ ثلاثةٌ القصر، هم طارق فاضل (الراوي) واثنان من أصدقائه الخُلَص – تجاوزاً: عيسى الرديني وأسامة البشري. وفي القصرِ يفقدون ما تبقى من إنسانيتهم، وتتقلب بهم الدنيا، ثم ينتهي ثلاثتهم نهاياتٍ مؤسفة – خصوصاً عيسى الرديني. تتشابك حكايات الثلاثة مع حكايات أهلِ الحي الذين استعبد القصرُ جُلهم، ومع حكاياتِ أهلِ القصرِ أنفسهم – وإن كانت المصائرُ المظلمة في الرواية محفوظة لأهلِ الحي الفقراء فحسب.

ينسبُ طارق فاضل فساده الشخصي إلى اعتقادٍ شائع بأن جدته لأمه قد ارتكبت الفاحشة، مُعتقِداً أنه فاسدٌ لأنه جاء من رحمٍ فاسد. كما أن علاقتهُ بعمتهُ علاقة مريضة، مُختلةٌ، بولِغ فيها، وفي تأثيرها على تكوينه النفسي. يُمكِن تبريرُ هذا بالقول إن هذا ما يعتقد طارق نفسه، ويستخدمه لإيجادِ مُبررٍ لفسادِه وترديه، لكن الحقيقة أنه هو نفسهُ شريرٌ. إنه يخلو من أي لمحةِ نُبلٍ أو شهامة كاللمحاتِ التي لأصدقائه، فعلى فسادِ عيسى الرديني، والصورةِ التي يرسمها طارق له على أنه بذرة شرٍ خالصةٍ منذ طفولته، إلا أنه يُنقِذ فتىً غارقاً في مثل سنه، ويبقى طوال حياته مُحباً لامرأةٍ واحدة – تكون واحداً من أسبابِ هلاكِه النهائي، ويُنقِذ طارقاً نفسه من تجربةٍ مذلةٍ عندما كانا مُراهقين. ورغم فسادِ أسامة البشري، إلا أن إخلاصه لتهاني – التي تسبب طارق في هلاكها – يُضفي عليه ملمحاً نبيلاً يفتقرُ إليه طارق تماماً. طارق – رغم كل تُرهاته التي يُثرثر بها طوال الرواية محاولاً إقناع القارئ بأنه ضحية للظروف المحيطة – مخلوقٌ بهيمي شرير، يتحركُ وفقاً لغريزة حفظِ الذات فحسب. وطوال الرواية يرتكب أفعالاً شريرةً ينسبها لفسادِ سيدِ القصر – نجل السيد الأول الذي يُماثِل الشخصيات الثلاث عمراً – رغمَ أنه نفسه مسؤولٌ عنها. سيدُ القصرِ لم يطلب منه تعذيب عمته، كما أنه كان يملكُ خيارَ الرفضِ في كُلِ مرة، أو حتى خيارَ العجز عن الفعل. طارِق يختارُ أن يسلكُ سلوكاً فاسداً، وينسبَ هذا السلوكَ لنشأته.

مفتتح الرواية نهايتها الفعلية، وفيها يصلُ طارِق إلى أقذر مدى يُمكِن أن يصلِ إليه، رغم أنه قد شارف على الشيخوخة، وآنَ لهُ – رُبما – أن يضع حداً لفسادِ حياته، أو أن يحفظ نفسه من الانحطاط التام إلى شيء بهيمي لا إنسانية له. يُحاولُ عبده خال أن يُصوِرَ لنا انحطاط طارق على أنه نتيجةٌ لعوامِل خارجةٍ عن قدرته، ويحاولُ أن يُقدم نهايةً بديلةً له، لكن النهاية البديلة لطارق غير مُقنِعَةٍ وغيرُ موضوعية – بل إنها نقطة خللٍ في السرد. الروايةُ تبدأ وتنتهي بالمشهِد المُفزِع الذي يُسجِل نهاية عيسى الرديني، ورفض طارق فاضل الداخلي للخروج من الهوةِ التي أدخل نفسه فيها.

مشكلةً النهايةً التي يقترحها عبده خال لطارق فاضل أنها تجيء من خارج النص، فبعد أن قدم طارق نفسه في مُعظم متنِ الرواية وعرف القارئ حذره المفرط وحرصه على البقاء حياً، يجيء في لاحقةٍ ليقول إنه قد حاول الخلاص من سيد القصر، الأمرُ الذي لا يتفق مع تركيبة طارق النفسية التي تتحرك وفقاً لمبدأ حفظ الذات، ولا معنى له آخر الأمر، فطارق يُفكِرُ في قتل سيدِ القصر في محاولةٍ مستمرةٍ لتحويل اللوم عن المُلام الأصلي: طارق نفسه. يتعاملُ طارِق مع العالم من منطلق: أنا دنسٌ، لكنني كذلك بسببِ آخرين. وحاجته إلى بقاء السيد أقوى من حاجته إلى هلاكه، فالسيدُ يوفرُ لطارق غطاء نفسياً يحميه من مواجهة شرِ نفسه بنسبِ ما فيها إلى فسادِ طبائع السيد.

لو كانت الرواية انتهت بالمشهد الذي يُحادِث فيه طارق عبده خال، راعياً ابن أخته، لكانت هذه نهايةً طبيعية للرواية تتفق وطبيعة شخصية طارق الذي يؤثر السلامة – رغم إن إضافة خال ما بعد الحداثية للنص زائدة، غير أن إضافة المدخل، واللمحاتِ اللاحقة، والملف عن حياة نساء القصر يُثقِلُ الروايةَ، ويفقدها الزخم والحدة اللذين كانا لها في الرحلةِ الدائرية التي بدأت وانتهت بنهاية عيسى الرديني. وعن طريق تقديمه لنهاياتِ شخصياتهِ المختلفة بطريقة ديكنزية – نسبةً إلى تشارلز ديكنز – فإنه يمحو الوهم الذي نسجه في الجزء الأكبر من الرواية – الجزء الذي يرويه طارق فاضل – بأن هذا سردُ شخصيةٍ مشوهةٍ نفسياً، تنظر إلى العالم بمنظورٍ طبقي يزخر بخرافاتِ التفوق العرقي، وينسبُ الفضائل لطبقةٍ معينةٍ من الناس، ويجعلُ من الرذيلةَ قدر كُلِ فقيرٍ ليس له نسبٌ عريق.

خاتمة عبده خال الشخصية خاتمةٌ طبقية، فرغم أن مصدر الشرِ الرئيسي في الرواية سيد القصر الذي يُمسِكُ بُكِل الخيوط، ويتسبب في دمارِ مُعظَمِ شخصياتِ الرواية، إلا أنه يبقى محفوظاً غير ممسوس، فلا يناله الردى، ولا يمسه سوء، ولا يخور عزمه، ولا تقلُ يقظته، ولا يعجز جسده. إنه يتحول إلى كيانٍ مجرد، يُنزل العذاب بالآخرين، ويبقى منيعاً على صروف الدهر، لأنه فوق المقاييس البشرية: إنه القدر. خطابُ عبده خال الباطن في النص مثل خطاب من حرَم الخروج على الحجاج بن يوسف الثقفي بالحجة المتهافتة: “الحجاج عذابُ اللهِ لكم، فلا تدفعوا عذابَ اللهِ بأيديكم”. عبده خال يُعاقِب جميعَ شخصياته، لكنه يستثني السيد، ويُعيِنَ له كبش فداء يتلقى عنه العقوبة، في شخصِ أخيه الذي يُصورِهُ على أنه نسخة سلبية منه، ليبقى السيد متسلطاً على رقاب العباد، وتعلو مكانته، ويزداد ماله ونفوذه.

تنشأ هذه المشكلة من رغبةِ عبده خال في أن يُثقل الرواية – التي انتهت فعلياً بمقتل عيسى الرديني – بالمواعظ، فلو أنه تركها لشأنها روايةً عن الشر يرويها طارق فاضل بكل ما فيه شر، لكانت روايةً مُحكمةً حقاً. لكنه – ولعل ذلك لمحاذير اجتماعية معينة – يُريد أن يتنصل من المسؤولية عنها، فيُحمِلها ما لا تُطيق، ليحول نفسه إلى مُجرَدِ ناقلٍ لما قيلَ له، وتداولته الصحف المحلية ومواقع الإنترنت. مصائر سكان حي الحفرة لا يُمكِنُ أن تُنسَبَ لرؤيةِ طارق فاضل المشوهة للعالم، وإنما لنغمةٍ طبقية خفية تسودُ في الرواية، شبيهة بالنغمة العنصرية التي تسودُ رواية يوسف زيدان الفائزة ببوكر قبلها عزازيل (2008)، فعبده خال يحرص على عقاب سكانِ الحي، غير مستثنٍ منهم إلا إبراهيم – الذي يأتي من أمٍ فاضلة، ويُشكِل مع طارق ثنائية قابيل وهابيل الشهيرة. وينكِلُ بالشخصياتِ النسائية، فالمرأة – وإن كانت أماً – شرٌ مُطلق. مع ذلك، فإنه يحرص على التأكيد بأن السيدة شهلا أم سيد القصر قد ماتت ميتة هادئة لائقة بشيخوختها، ودُفِنَت في البقيع، رغم أنها – وفقاً لمنطق الرواية العدواني – مصدر الشرِ المُطلِق بوصفها أم مصدرِ الشر فيها.

لا أعرفُ حقاً لِمَ فازت ترمي بشررٍ بالبوكر العربية، لكن فوزها بعد عزازيل أمرٌ ينبغي التفكيرُ فيه ملياً: هل العقلية العربية عنصرية بطبيعتها حتى تكون النماذج الروائية المنتقاة منها – بغض النظر عن استحقاقها الأدبي – عنصرية تكرس خطاباً عدوانياً غير متسامح يتهرب من مواجهة مسؤولياته الأخلاقية؟


– معلومات عن الرواية:

  • عنوان الرواية: ترمي بشررٍ
  • تأليف: عبده خال
  • الناشر: منشورات الجمل
  • عدد الصفحات: 416
<!–[if gte mso 9]> <![endif]–><!–[if gte mso 9]> Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA <![endif]–><!–[if gte mso 9]> <![endif]–> <!–[endif]–>


2 تعليقات

  1. تحليل رائع للروايه لم أقرأه من المطبلين أو الناقدين لها على حد سواء …
    يسرني متابعة مقالاتك النقديه …

  2. تقول : والشخصية الوحيدة الإيجابية في الرواية شخصيةُ إبراهيم، الأخ الأصغر لطارق فاضل،
    ——
    هل يجوز تفسيم البشر الى شخصيات ايجابية واخرى سلبية ثم من الذى يضع معايير الايجاب والسلب هل لديك كتالوج ؟؟؟؟؟

اترك رد