الجيل الشجاع / دعنا نتجاوز هذا الألم

1
1٬448

جيلنا زبيده حعفر

(1)

من فضلك ..لتكن رفيقًا

ناعمًا.

لاتزحم عقلي بصور مدروسة لماضيَّ

أشعرني بها أولاً..

 

لا تعرض طقوسي المنحوتة في المتحف البريطاني،

لقاء بضع كلمات يقولونها،

أشعرني بها أولاً .

-*-

هكذا يفتتح (نجابولو نديبيلي Njabulo S. Ndebele) رحلتي لكتاب (جيلنا Our Generation) للكاتبة (زبيدة جعفر Zubeida Jaffer).

 

قراءة في كتاب لحكاية 15 عامًا من تجربة التغيير في جنوب افريقيا من نظام الفصل العنصري إلى النظام الديموقراطي.

تجربة وعي الناس بحقوقهم ،واصرارهم على الحصول عليها.

وتجربة سيادة صوت العقل والحلول السلمية لما يمكنه أن يكون بسهولة نزيف لايتوقف من الانتقامات والقتل .

***

زبيدة جعفر كاتبة وباحثة وصحفية وأستاذة جامعية بالإضافة لكونها ناشطة حقوقية أيضًا،لكن بشكل خاص هي الراوية لحكايات هذا الكتاب. زبيدة جعفر

زبيدة من جنوب افريقيا،من أصول هندية مسلمة،ولدت في يناير 1958،درست الصحافة في جامعتي كيب تاون و رودس،وحصلت على الماجيستير من جامعة كولومبيا . تتقن العديد من اللغات بجانب الافريكانا والانجليزية.

منذ عام 1980 بدأت عملها كمحررة صحفية في Cape Times ،واستقالت عام 1981 بسبب آراءها السياسية ،أصبحت سكرتيرة لاتحاد عمال المنسوجات ثم عادت للصحافة مع “أنكي كروخ” لتغطية أعمال لجنة الحقيقة والمصالحة التي كانت هي نفسها واحدة من المعترفين فيها.

وقد قامت على مدار رحلتها حتى الآن بتغطيات صحفية سياسية لما يقرب من 14 جريدة شهيرة ليس في جنوب افريقيا فقط ،بل في اليابان وكندا والمملكة المتحدة أيضًا.

تلقت العديد من الجوائز المحلية والدولية منها جائزة مجلة the Muslim Views -وهي من المجلات المهمة للمسلمين بجنوب افريقيا-،كانت أول افريقية تحصل على جائزة الصحفي الأجنبي من الرابطة الأمريكية للصحفين السود .

لها عدد من الدراسات المهمة مثل: -“من أجل حرية بناتنا”-“النضال من أجل قانون الحريات”-“العدالة في مرحلة انتقالية”-وعدة مقالات عن المسلمين ودورهم السياسي بجنوب افريقيا.

(2)

لم أكن أعرف ماذا أقول. أدركت فجأة أن هذه الطفلة ليس لديها فكرة عن العِرق. لم أقدم لها قط هذا المفهوم، كيف لي أن أفسر لها الآن أنها لا تستطيع الذهاب إلي المياه لأن هذا شاطئ للبيض وأنها ليست من البيض. لم أكن راغبة في قول هذا.”

-*-

أبارتيد Apartheid ” كلمة تعني الفصل في لغة المستوطنين الهولنديين بجنوب افريقيا،وهي كلمة كالعلامة أو الرمز الذي أصبح متعارفًا عليه أنه يعني “سياسة الفصل العنصري” بجنوب افريقيا،والتي سادت من فترة 1948 حتى عام 1993.

كانت هذه السياسة قائمة على تقسيم سكان جنوب افريقيا إلى بيض-أصحاب اليد العليا في البلاد بحكم الامتيازات والحق في التصويت وما إلى ذلك،وملونين –أغلبهم ذوي أصول هندية-،وسود –أصحاب الأرض الأصليين والأغلبية والأقل في جميع الامتيازات في البلاد-.

هذا الفصل لم يكن على مستوى الامتيازات وفقط،بل امتد ليكون نوع من الفصل في الخدمات كالصحة والتعليم .

كانت هناك قوانين مقيدة لحركة السود تحظر حركتهم في مناطق معينة و ايضا تقيد حركتهم من منطقة إلى اخرى بدون تصريح موقع بالمرور. فمثلاً لم يسمح للسود بالتواجد في شوارع المدن في مستعمرة الكاب وناتال بعد حلول الظلام ، وعليهم ان يحملوا تصريح مرور في كل اﻷوقات.

بدأ نظام الأبارتيد كسياسة رسمية ومعلنة عام 1948 مع وصول “الحزب الوطني” اليميني الأفريكاني الأبيض إلى الحكم، والذي كان من بين أهدافه استمرار حكم العرق الأبيض في جنوب أفريقيا.

عام 1990 ترأس الحكومة البيضاء “فردريك دي كلارك” الذي أعلن أن سياسة الأبرتهايد قد فشلت. قام بإلغاء جميع قوانين الأبرتايد العنصرية التي تفرق بين المواطن الأبيض والمواطن الأسود. وسمح بتجديد عمل “المؤتمر الوطني الأفريقي” وأطلق سراح زعيمه نلسون مانديلا، وسمح بقيام الأحزاب السياسية. قام كلارك بالتنسيق مع نلسون مانديلا لإجراء انتخابات حرة يشارك فيها، ولأول مرة، كل الأعراق في البلاد. فاز حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” بأغلبية ساحقة في الانتخابات التي تمّت عام 1994. انتقل الحكم بطريقة سلمية وهادئة، وأصبح نلسون مانديلا الأسود رئيس حكومة جنوب أفريقيا.

أنشأ مانديلا لجنة “الحقيقة والمصالحة” للتحقيق في مظالم الأبرتايد، وفي نفس الوقت منح العفو للبيض المسؤولين عن هذه المظالم بعد أن يبدوا الندم على أفعالهم.وقد تم حصر ما يزيد عن 22 ألف ضحية لسياسة التفرقة هذه.


موقع بطلتي من هذه القصة انها كانت واحدة من الملونين المعانين من هذه السياسة والعاملين على تغييرها.كانت واحدة ممن تحركوا مع الأحداث وحركوها.

كانت عضوًا بالمؤتمر الوطني الأفريقي الذي يرأسه مانديلا .

وكانت بقلمها تلعب دورًا من أدوار المقاومة السلمية المصرّة على التغيير.

وتلقت من التعذيب والاعتقال والمطاردات الكثير لتضعها الأقدار بعد ذلك على منعطف الأحداث فتكون ممن شارك بتجربته في مشروع لجنة الحقيقة والمصالحة ،بجانب تغطيتها الاعلامية.

 

مشروع لجنة المصالحة هذا كان لتتجاوز جنوب افريقيا مرحلة الانتقام من المعتدين،إلى مواجهتهم،لكي تعبر البلاد أزمتها الناتجة من سنوات طويلة من القهر،ولذلك كان “مشروع الذاكرة” أيضًا ،وهو عبارة عن تسجيل كل نضالات مدينة كيب تاون ولكل الأعراق والديانات والأصول المختلفة والتي ساهمت في اسقاط نظام الفصل العنصري.

هذه المشاريع تُوجت بوضع فقرة في دستور جنوب افريقيا تُثبت هذا التغيير الذي يستحقه هذا الشعب.

“(..) إذا ما سمحت للذكريات أن تنطلق وتفيض بالطريقة التي يرغب سكان هذه المدينة لذكرياتهم أن تنطلق سوف يصبح الأمر ثريًا ومتناقضًا ومضحكًا ومأساويًا ،لكنه سيصبح انتصارنا.”

 

هذا مما قاله القاضي ألبي ساشيز Albie Sachs،أحد قضاة مشروع الحقيقة والمصالحة والذي طلب من زبيدة كتابة قصتها،فجاء خروج الكتاب للنور بعد عشر سنوات تقريبًا.


(3)

جيلنا هذا الكتاب يبدو روايةً ،لكن المهم أنه كان قريبًا لنفسي لأنه أمين وانساني.

حكت فيه زبيدة عن لحظات ولادتها لابنتها “روشكا“،ومطاردة الضابط الذي عذبها لها،ولقاءاتها المقتضبة مع زوجها الُمطارد كأحد الناشطين بحزب المؤتمر الوطني الأفريقي.

تتعرض لعلاقتها بوالديها،وبرأيها في عدد من الأمور الدينية،وتناول الناس لها.

أعتقد أنه لايوجد أشمل من وصف القاضي ساشيز للكتاب : “(..) إن عبقرية هذا الكتاب تكمن في حميميته،تكتب زبيدة حول الحب والشوق وتقسيم المجتمع إلى أجناس,عن الطلاق والقسوة,عن اليهودية في مدينة نيويورك ،عن الصراع مع الإسلام ,ثم تكتب وتصف العديد من اللاعبين الذين قاموا بأدوار مهمة في الصراع والنضال ضد نظام الفصل العنصري،والكثير منهم يشغل مناصب مهمة ،هذه قصة من الداخل عن واحدة من أهم حركات تاريخنا المعاصر .

إن المخطوطة أخاذة،إنها تأخذنا بحميمية وتكثيف خلال أحداث كثيرة مرت بها جنوب أفريقيا في تحولها من نظام الفصل العنصري إلى الديموقراطية (..).

***

قراءتي لهذا الكتاب ،تجعل من التاريخ والانتصارات ليست مجرد سرد حيادي،بل تجربة تمسك وتساعدك على الفهم،فعندما يحكي الجنود عن ذكرياتهم ومشاعرهم في الحرب التي قد تأخذ سطرًا في كتاب التاريخ بعد سنوات،فإنهم ينقلونك لجزء من حياتهم يثري خبراتهم ويعمق تاريخك كإنسان.


كتبت زبيدة : ” بالرغم من أن الألم شئ إنساني مشترك بين الجميع، فإنه يبقي دائما ذا خصوصية ما لدى كل شخص. هكذا قال آلبي ذات مرة .كل منا لديه طريقته في التعامل مع الألم .إنه شئ لايمكن تقنينه في شكل موحد.غالبًا مايتوقع الآخرون إجابات مناسبة على الأسئلة الخاصة بالوفاق والتسامح في بلادنا ،لكني أعلم أنه لن يكون هناك أبدًا حل واحد يتبع طريقة واحدة .هناك من يتعجب من قدرة ماديبا على الغفران والتسامح ويستشهدون بموقفه كموقف مثالي ,ولكن إذا تفحصنا الأمر معه عن قرب،فسنجد أنه أيضًا واقع في صراع وتنازع.كان لديه من القدرة مايجعله يتناول الشاي مع بيتس فيرويرد، زوجة أحد المهندسين الرئيسيين لسياسة التفرقة العنصرية، لكنه لا يستطيع التوافق مع ويني زوجته ورفيقة عمره. المشاعر الإنسانية معقدة جدًا ولايمكن أن تجزأ إلى أجزاء صغيرة دقيقة .كل منا له رحلته المتفردة ،والذي يبدو متشابه منها هو في الحقيقة مختلف تمامًا .لاشك في أن أي مفهوم يقول أن هناك من هو قادر في أي بقعة من العالم ,على نزع الألم المتراكم في أرواحنا يكون خاطئًا ،يجب على كل منا أن يشق طريقه عبر ذلك الألم. “

-*-

تحكي زبيدة عن عدم تقبلها لرؤية المُعذبِين والقتلة بعد المحاكمات يحظون بالعفو بعد كل ما حدث،تحكي بداية لقاءها مع آلبي ساشيز الذي كان منفيًا ,وهو أحد من نجوا من انفجار سيارة ملغمة فقد فيها أحد ذراعيه .آلبي ساشيز

” (..)كنت أود لو أن شخصًا ما يضربهم من أجلي ,أن يلحق بهم أذى مثلما ألحقوا بالكثير منا .كيف يمكن لمفاوضينا أن يتحدثوا عن العفو لهؤلاء الرجال؟ نريد محاكمتهم . حتى لو لم نستطع محاكمتهم جميعًا ينبغي أن نحاكم بعضهم.”

أستطيع فهمها هي التي لاقت ما لاقت من تعذيب بطئ،من رؤية الناس وهم يقذفون على نحو غير مفهوم من القطارات، على رؤية الملثمين الذي يشعلون النار في البيوت لقتل أسر كاملة.

لكن ساشيز يقول :” معاقبة هؤلاء ستكرس من دائرة الانتقام والانتقام المضاد باستمرار.نريد أن نكسر هذه الدائرة .فقط جيلُنا يمكن أن يفعل هذا إن امتلكنا الشجاعة لمواجهة الماضي بأمانة ولكن بدون روح انتقامية .”

“لن ينجو أحد من فعلته .الجميع سيعرف ماذا فعل ذاك أو فعلت تلك ،وسوف يكون عليهم التعايش مع هذا.ومحاكمة بعضهم لن تفيد بشئ . ولكن التغيير الناجح لنظام التمييز العنصري الذي يؤمنون به سيعني الهزيمة الساحقة هذا ماسيعطيني متعة أكبر من أن أرى بعضًا من الناس يعانون.”


(4)

لفت نظري في الكتاب علاقة زبيدة بالدين وانتباهي لمعنى كونها مسلمة دون أن يعني هذا وضعها تحت أي صورة من الصور الشائعة أو المرسومة ذهنيًا للمسلمين.

تحكي عن الشيخ نظيم محمد وعلاقته المركبة بوالدها ،وعن تواجده في احتفالات العائلة وحفل قرانها،وأنه لم يخذلها يوم أرسلت له رسالة على ورق التواليت من زنزانتها.

“ثمة قوة واثقة في صوته الهادر ،إنه يطمئنني كما يفعل البحر عندما يهدر ضد حدود الظلام على شواطئنا.”

عن علاقتها به،وكونه بشكل ما امتداد لوالدها .

لقد مرّ عليها وقت كانت فيه قانطة على مجتمع المسلمين مما جعلها ترفض الدين.

كانت تناقش والدها حسن جعفر في أنه من السخف أن تُقام الدنيا على أمور صغيرة في الدين في حين لايقوم أئمة المسلمين بدور فعّال في مواجهة الظلم البيّن على الناس والجوع المنتشر بين الفقراء.


كانت واعية لكونه يجتهد وهو يتكلم،وهي تلمس هاجسه عن التعليم.

لقد أراد لنا أن نكون متعلمين بحيث يمكننا ان ننجز رسالة مهمة للإسلام ،وكانت هذه الرسالة تتمثل في اكتساب المعرفة وسعة العقل. وقد حذره المجتمع الديني من أنه بمجرد أن يصبح الناس متعلمين فإنهم ينقلبون على الدين . وقد جادلهم على أن مايقولونه ليس حتميًا .والآن جئت أنا لأثبت أنه على صواب .رأيت ألمه ،لكني أردت أن أكون صادقة مع مشاعري.

لكنه في النهاية يوافقها على النقاط التي تطرحها : “نعم أنتِ على صواب،ولكن هذا لايعني أنه ينبغي أن ترفضي الدين . ينبغي ان تعملي في طريق تغيير مستويات التعليم ،وسوف تتغير الأشياء ببطء على مدار الوقت.”

وقد كان له ذلك..وحقّ لزبيدة أن تشعر بالسرور لرؤية والدها لحدوث هذا التغيير،ولمعايشتها هي نفسها لمرحلة مابعد التغيير من خلال ابنتها وحياتها المختلفة .

***

“إذا كنتِ تعتقدين انه بإمكانك أن تجلسي هنا وتقرئي هذا الكتاب ،فسوف آخذه منكِ وأمزقه،ليس من حقك،إنني فقط أسمح باصطحابه هنا.”

الجلاد فرانز موسترت ،يتوعد وينذر ثم يواصل الضرب والاهانات لكي تعترف زبيدة بمصدر تلك الأعلام التي خرجت بها الجموع احتفالاً بإطلاق سراح مانديلا،وهي تلاغي خوفها وعجزها بالأمل بأنها إذا انهت قراءة القرآن فقد اقترب أوان اطلاق سراحها.

احدى اللحظات التي لمست مدى تأثير الايمان،ومايمكن أن يدعم الروح في وقت المحن.

فرغم رفضها للدين في فترة من حياتها،إلا أنه عاد يحضر كممارسة في أوقات المحن ،وكعامل يعمل على تجاوزها ،وعلى خلق صلة جميلة بين الناس.

كان هذا واضحًا في وصفها للحظات اعتقالها،ولتصرفات الأسرة مع القبض على أخيها،وفي علاقتها بابنتها خصوصًا في الفترات العلاجية لها.

 

“(..) التلاوة العربية المنغمة لها طريقة لربط الجميع ببعضهم بعضًا ،كلنا نردد الكلمات نفسها ،مرة تلو الأخرى ،وهي بطريقة ما تهدئ الذهن وتقوي الروح .”

” الاسلام تركيبة من ممارسات مجربة ومتذوقة تركز على تقوية الروح.هكذا تفعل الكثير من الممارسات الدينية الأخرى. دائمًا ما أقول لروشكا إن الناس من ذوي الديانات المختلفة إنما يقودون سيارات مختلفة،لكننا جميعًا في النهاية نسير في الطريق نفسه .لايهم في أي سيارة تكونين مادامت هناك وسيلة تنقلك عبر هذا الدرب.”

****

يمكنني في النهاية الإشارة لصدور الترجمة العربية لكتاب (جيلنا) تبعًا للمركز القومي للترجمة التابع لوزارة الثقافة بنهاية العام 2007،وقد حضرت زبيدة للقاهرة وشاركت في الندوة المقامة لهذا الكتاب.

تعليق واحد

  1. رائعه يا زبيدة لو لم تكوني شجاعه لما عشت هذه التجارب وكان لك هذا الصوت الذي وصلنا رغم بعد المسافات حيث وجودك في جنوب العالم ليت عندنا كثير من هذه الشجاعة والشعور بالمسؤلية تجاه قضايانا ومايدور حولنا ..
    فعلا..فليسعد النطق ان لم تسعد الحال..
    بارك الله فيك وزادك قوة على الحق وثبات.

اترك رد