دارية … سحر الموجي

7
1٬757


منذ السطر الأول في الرواية ، تأخذنا الكاتبة “سحر الموجي” إلى عمق مشكلة البطلة الرئيسية ، يتضح لنا ذلك خلال الأسطر التالية :

تأزمت علاقة (دارية) و (سيف). كان واضحاً منذ البداية أنه لا يوجد ما يربط بين هذا الرجل و تلك المرأة. هو يعمل مع الأرقام. و يعيش أيضاً بالأرقام. 1+1=2، لا يستطيع إنسان عاقل إنكار هذه الحقيقة. لم تستطع أن تواجهه برأيها. أن تقول بصوت عادي خالٍ من الانفعال إنها تعتقد أن 1+1=1 . هذا بالطبع إن وُجد بين الاثنين هذا الانسجام الكيميائي بين روحين. فيكنه مثلاً أن يلتقط بسهولة ذبذبات حيرة أو قلق في عينيها العسليتين الصامتتين و يمكنها أن تفهم سبب عذابه ، تريحه ، و تكون له أماً أخرى.

قضت دارية سنوات زواجها الأولى في حالة حب مصحوبة باعتذار دائم، و كان سيف يعاملها كطفلة أمامها الكثير لتتعلمه و الكثير لتحذر منه. و كانت دارية تصدقه و تنبهر بخبرته الأكبر. و ظلت سنوات ترى الدنيا بعينيه حتى أدركت أنها دوماً محاصرة بإحساس غير مفهوم؛ أن العالم كائن مبتور.

إن سيف من ذلك الطراز من الأشخاص الذين ينظرون إلى الدنيا من خلال مفهوم محدود و يُسفِّهون آراء الغير – لمجرد أنها لا تتفق معهم ، كان يطغى بشخصيته على وجود دارية ، يُشعرها بأنها لا تفهم شيئاً . لا تعرف . يَئِد ذاتها تحت ركام مفهومه الضيِّق، يحاول أن يُقنعها أنها مازالت مُقصِّرة في حقه و حق أولادها يقول (( الست ملهاش غير أولادها و بيتها )). إن سيف يتحرك و يفسر العالم في إطار واضح لديه (( الأسرة )). الأشخاص موجودون لتحقيق هذا المفهوم الذي يتنافى مثلا مع تعلق دارية بصديقاتها و أبيها و كتبها و الأوراق !!

هذه الرواية تحكي محاولات دارية لاستعادة ذاتها، للتحرر من براثن سيف . محاولاتها لمنعه من وأد روحها الشاعرة. لأن ترى العالم من خارج الإطار الخانق الذي يحيطها به و يغصبها عليه.

أثَّرَت فيَّ هذه الرواية حقاً، كنت أشعر بمرارة ((دارية)) كما لو كنت أعيش معها لحظات القهر. أشعر بغصة في حلقي و أخنِق العَبَرَات في عينيّ. لم أكن أتوقع ذلك عندما فتحت الرواية لكنها.. رويداً ….. استغرقتني.

إذن، هل تنجح دارية في استعادة ذاتها و حريتها؟
أم .. هل تنجح في جعل سيف يفهمها و يُقدِّرها؟
ما مصير طفليها وسط كل هذا – جاسر و أمينة ؟
من هو ذلك الوجه الأسمر الذي يطاردها في أحلامها و يُشعرها بالراحة و الأمان؟
لقد كتبت إلى صديقتها ((هادية)) تسألها:

هل سبق لكِ أن عشتِ حُلماً و أنتِ مفتوحة العينين؟

دعونا نطالع مقتطفات من الرواية :

” لو أنِّي أنسابُ مثل النهر الطيب
أروي كل شقوق الأرض العطشى
أصبح روحاً نهمة
تحلُمُ بالعشقِ
تتفتَّح لحروف الكلمة
تزرعُ حُلماً
يخفَقُ بالبسمة
لو أنِّي . . . “

” في المنزل دار النقاش المتوَقَّع. تفرَّع من اعتراضات سيف على الحَفل إلى حبها لنفسها، و هو يبحث في عينيها عن طفلة بعيدة و إحساس بالأمان يخبو:
ترد دارية: – وليه ما أحبنيش؟
يرد سيف: – دي أنانية.
– حب الذات مش معادِل للأنانية. لو مقدرتش أحبني. لو ماعرفتش أكون نفسي و أُشبِع احتياجاتي الأساسية كإنسانة، مش هاقدر أدِّي الآخرين.
– لازم يكون عطائك مش مشروط. العطاء في حد ذاته إشباع. تدِّي و بالتالي تحسِّي بالرضا عن نفسك. مش العكس. الأم عطاء.
– ما أقدرش أدِّي الآخرين و أنا تعيسة. لما أقرا كتاب يغذيني، لما باكتب شعر، باكون في أحسن حالاتي. و أدِّي. ليه بتسميها أنانية؟ الصدق مع النفس تنفيذ لإرادة ربنا فينا. من خلالنا.
– بتبتدي بنفسك كالعادة. أولوياتك مُرتَبَة بشكل اناني. اليوم كام ساعة. تفتكري إزاي تكوني أم و زوجة و مُدرِّسة و شاعرة عايزة تغير الكون بنفس اللحظة؟ صاحب بالين كذاب. و صاحب تلاتة …
– كدب … ليه بتتعامل مع مثل شعبي على إنه نص مُقدِّس . أحلامي مؤجلة يا سيف. دبلوم النقد الفنِّي أجِّلته .. الأولاد مش باسيبهم علشان أشوف مسرحية والّا ااحضر معرض أو ندوة. باحلم لما يكبروا أقدر أعمل ده.
– كل ما كبروا كل ما زادت مشاكلهم و مسئولياتهم لحد ما تبلع كل وقتك. كفاياكِ بقى انفصال عن الواقع. يظهر إن حياتنا مع بعض بقت مستحيلة.
رآها تنسحب إلى الشرفة. فأخبرها بنبرة حازمة أنه ينتظرها في الغرفة. ذهبت إليه بعد أن التفت حول نفسها. داخل محارة الروح. جلست تشاهد دارية. مصلوبة. فوق مسامير الألم. تنزلق بطول جسدها خطوط دم الاغتراب. و تتخثَّر. تسقط المحارة في هوة معتمة. ينقبض قلب دارية. ينسحب تجاه قلب المغناطيس. تنتظر لحظة الارتطام. “

” تأتي نفتيس فأكتب:
قفْ على قدميك
دعني أرى
كيف تمشي بدوني
كيف تحبو
كيف تتهجَّى شكل الأشياء بدوني.
قِفْ
تجلَّدْ
امض إلى وجه الغدِ الوليد
و أنت حر
قوي
قادر على ارتيادِ مرافئ الحُلم
كل غروب.
ألا تسمع
قِفْ
دعني أراكَ
تسيرُ بدوني
حتى يمكنني
أنا أيضاً
أن أسيرْ. “

– تفاصيل أكثر :

  • اسم الرواية: دارية
  • المؤلفة: سحر الموجي
  • عدد الصفحات: 159
  • دار النشر: الشروق

حصلت الرواية على جائزة أندية الفتيات بالشارقة عام 1998، و هي الرواية الأولى للكاتبة سحر الموجي.


7 تعليقات

  1. كان يطغى بشخصيته على وجود دارية ، يُشعرها بأنها لا تفهم شيئاً .

    تبدو ممتعة..

    ” لو أنِّي أنسابُ مثل النهر الطيب
    أروي كل شقوق الأرض العطشى
    أصبح روحاً نهمة
    تحلُمُ بالعشقِ
    تتفتَّح لحروف الكلمة
    تزرعُ حُلماً
    يخفَقُ بالبسمة

    أحببتها ..

    شكرا جدا.. a15

اترك رد