نظرات ” مبدعة ” في الأدب

9
1٬842

ولقد كنتُ أذكر اسم لكهنؤ مرةً أمام جماعة من أهل فضلٍ فما عرفها منهم أحدٌ، فقلتُ لهم.. إنها مدينة أبي الحسن النَّدْوِي، فعرفوها،
فكيف تريدون منِّي أن أعرِّف برجلٍ هو أشهرُ من بلده ، حتى إنَّها لَتُعرَفُ به قبل أن يُعْرَفَ بها !!!

علي الطنطاوي

،

وقد صدق أديب العربية فيما قال !
حقيقة ، هذا الرجل مجدد أعجوبة ، سخر نفسه وحياته وفكره لأمر أمته ، وبذل كل ما يستطيع بذله من أجل الارتقاء بشباب الأمة وأهلها ، حاضر و كتب و درس و ناصح ، من أجل تحسين الوضع التعيس الذي نمر به ” ونسأل الله العزة ” ، فكان نتاجه نعم النتاج ، وكان الرجل نعم الرجل ، الذي يستحق أن نقف له ولحياته ولسيرته ومسيرته وقفة إجلال وإحترام ،  ربما السطور ليست للحديث عن الرجل وإنما لكتابه الراقي القيم ، ولكن اعذروني فلست أستطيع ذكر مجرد اسمه ! .
يقول الدكتور : عبد الباسط بدر في تقديم له لكتابنا هذا :

ولقد قرأت الكتاب ورأيته يتميز بميزتين نادرتين :
الأولى : أنه نتاج قلم يحمل في تكوينه ثلاث سمات متكاملة متداخلة ، الأدب والفكر والدعوة إلى الله .
الثانية : ….. )

ولكم أن تتأملوا هذه الميزات كل واحدة على حدة ، ثم ترون كيف اذا اجتمعت سوية في شخصية رجل واحد !
هذا هو المثال الواقعي للفرد المسلم الناجح المؤثر ، وهذا الذي يستحق أن ينصب قدوة لأبناء الجيل ، وليس ما يسوقه الإعلام ” المهترئ ” وغيره ، من شخصيات    ” مهترئة ” ( بدون عموم ) .
و الكتاب الذي نتناوله أراه يوضح بصدق قيمة فكر الرجل وندرته !
وإن كان لم يحض بما حضي به مؤلفه القديم ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين )
ولكنني أراه يوازي مقداره ( كيفا لا كما ) ، لإن الكتابين بينهما تباين في كم الأفكار وتشعبها والسبق للكتاب الأول ،

في هذا الكتاب تحدث المؤلف عن المواضيع التالية :

* نظرة جديدة للتراث العربي :


وهنا يتجلى الإبداع الفكري ، حينما يوجه نظر القراء والمثقفين والأدباء ومن يهمه الأمر إلى تلك الزاوية المظلمة من أدبنا والتي غفل عنها الجميع ! ،
تحدث عن المحنة التى تواجه أدبنا العربي :

تسلط أصحاب التصنع والتكلف على الأدب ، الذين يتخذونه حرفة وصناعة ، ويتنافسون في تنميقه وتحبيره ، ليثبتوا براعتهم وتفوقهم ، وليصلو به إلى أغراض شخصية محضة ،
وقد يطول هذا الأمر ويستفحل ، حتى يصبح الأدب مقصورا عليهم …. ،

ثم يكمل الكاتب رحمه الله ، ويتحدث في أن أدب الصنعة الذي اتخذه الشعراء مهنة لهم هو المستولي على الثقافة الأدبية ، وحقيقة أراه صادق فيما يقول بعض الشيء
( قلت بعض الشيء لأن الكثير من القصائد الشهيرة على ألسنة الناس هي في الحقيقة عواطف صادقة نبعت من أحداث مؤثرة ، ولكن أيضا كثير من القصائد الشهيرة لم تقل إلا لأغراض معينة في نفس الشاعر ) ، ولعل مناهجنا التي تدرس الأدب العربي في المدارس ( لدينا في السعودية ) وما يدرس فيها من قصائد اشتهرت على مر العصور ، أكبر دليل على تسلط أدب الصناعة !

ثم يقول المؤلف مكملا للفكرة على أتم وجه :

ويطغى هذا لأدب الصناعي التقليدي عى كل ما يؤثر عن هذه الأمة ، وتحتوي عليه مكتبتها الغنية الزاخرة ، من أدب طبيعي ، وكلام مرسل وتعبير بليغ ، يحرك النفوس ويثير الإعجاب ويوسع آفاق الفكر … ، ولا عيب فيه إلا أنه صدر عن رجال لم ينقطعوا إلى الأدب والإنشاء ولم يتخذوه حرفة ومكسبا ، ولم يشتهروا بالصناعة الأدبية ، ولم يكن لهذا النتاج الأدبي الجميل الرائع عنوان أدبي ، …… ، وإنما جاء في بحث ديني أو كتاب علمي ، أو موضوع فلسفي أو اجتماعي ، فبقي مغمورا مطمورا ، ….. ، ولم يشأ الأدب الصناعي بكبريائه أن يفسح له في مجلسه ولم ينتبه له مؤرخو الأدب – لضيق تفكيرهم وقصور نظرهم – فينوهوا به ويعطوه مكانه اللائق به

ثم أخذ يورد الأمثلة على ذلك ، كحادثة الثلاثة الذين تخلفوا يحكيها أحدهم ، وحادثة الإفك تحكيها عائشة ، وغير ذلك من الأمثلة التي ظهر فيها عنفوان المشاعر وحرارتها في أتم صورها وأدق تفاصيلها .

* قيمة الأدعية النبوية المأثورة :

وهنا يستمر الكاتب العملاق ، في طريقة فكره المتجددة ونسق كتابه البديع ، فيأخذنا إلى عالم أدبي آخر ، عالم امتلأ بالكمالات وخلا من العيوب عالم يتنزه فيه القول
عن شذرات الخطأ وعن ريح العيب ! ، إنه العالم النبوي الفريد ، ومافيه من جمال الكلمات وحسان المفردات ، فيقول المؤلف :

إن الأدعية المأثورة تحتل – بالإضافة إلى قيمتها الروحية وحقيقتها المعنوية – أعلى مكانة أدبية وأرفعها ، وإنها درر الأدب اليتيمة وآثاره النادر الخالدة التي ينقطع نظيرها في المكتبات الأدبية البشرية بأسرها .

ثم يتم الكلام بذكر أمثلة ” كثيرة ” تأصيلا وتحقيقا لمعنى الفكرة ،

وحقيقة وأتحدث شخصيا عن نفسي تأثرت جدا بهذا الباب بعد طول تأمل في تلك الأدعية والأحاديث النبوية !

 

* كلمة عن أدب التراجم والتقديمات
* أدب الرحلات

تحدث في هذين الفصلين عن هذين الموضوعين حديثا مختصرا ودقيقا ومتميزا لم يطل فيه ولكنه أجاد ، ولم أستطع الاقتباس منه لاتصال الأفكار بشدة !

* مدرسة شبه القارة الهندية العربية والأدبية ، ميزاتها ومنتجاتها :

وهنا يقف المؤلف بين يدي تراث وطنه محاولا نشره في الأوساط العالمية بصورته لمثلى ، لأن المدرسة الهندية تعتبر مدرسة مطمورة تحت تراث المدارس الأخرى ، ولأن الثقافات الأدبية الأخرى قد تغلبت عليها بنتاجها ( من ناحية الشهرة فحسب ) ، فتحدث المؤلف في هذا الموضوع بشكل جميل جدا وصادق جدا جدا !! وشخصيا أعجبت بهذا التراث المتميز الـ ” شبه مجهول ” !!

وتندرج الفصول الأخرى والأخيرة من الكتاب تحت هذا الموضوع الكبير وهذه الفصول هي :

 

* لمحة عن المدرسة الأدبية الإسلامية الهندية كيف نشأت وتكونت وبماذا تميزت :

يقول في البداية :

لقد تفاعلت في الهند عوامل ثقافية ، وعنصرية ، وحضارية ، وسياسية ، فالهند مهد اللغات الثقافات والفلسفات القديمة ، ومن الطبيعي أن يتأثر الشعب المسلم بكل هذا في قليل أو كثير ، ونتيجة لهذا التفاعل تكونت مدرسة مستقلة ذات نفسية خاصة وطابع خاص في الأدب الإسلامي ، تمتاز بقوة العاطفة ، ورقة الشعور ، والدفق و العمق والقدرة على الضرب على أوتار القلب ، وإثارة الحب والحنان ، والتفنن في الأنغام الألحان ، والحماس الإسلامي ، وشدة التعلق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وبلديه المشرفين : مكة والمدينة ، والجزيرة العربية الحبيبة ، وابتكار معان وأخيلة وتعبيرات لم تسبق إليها

من هذه المقدمة انطلق في الموضوع ليتحدث بشكل أكثر تفصيلا وإمتاعا !

* أدب الحب والعاطفة واحترام الإنسان والإنسانية ، في شعر مولانا جلال الدين الرومي :

في هذا الفصل لم يتحدث الشاعر عن شخص جلال الدين الرومي ” رغم أن الكثيرين لا يعرفونه ” وإنما كان الحديث عن نتاج هذا الشاعر، فأتى بنزر فريد من أبياته ، وعلق عليها المؤلف ” كل مقطع على حدة ” بشكل جميل من خلال فهمه العميق وتوافق الثقافة بينه وبين جلال الدين الرمي ، والذائقة الهندية الشعرية  لأبو الحسن .

* دور محمد إقبال في توجيه الأدب والشعر :

أصل هذه المقالة هي كلمة في المدينة المنورة ألقاها المؤلف ، وحسب ما يقول الهامش أن القاعة على سعتها قد غصت بالمستمعين والمستمعات وفيهم كبار العلماء والأساتذة والشعراءوالمثقفين واظطر كثير منهم للوقوف خارج القاعة لعدم وجود مكان للجلوس ! .
والحقيقة أني رأيت في هذه المقالة شيئا آخر وجانبا آخر متألقا في شخصة أبو الحسن الثاقفية ، وهي تفننه في الكتابة الخطابية الجماهيرية ، فأسلوبه كان رائعا بكل المعاني و المقاييس في كتابته لتلك الكلمة أو المحاضرة ، ولعل الموضوع أيضا أسهم في زيادة الجمال بحكم تعلق المؤلف بشخصية هذا الشاعر واهتمامه بشخصية إقبال ونتاجه ،
وللمؤلف كتاب رائع شهير حول هذا الشاعر واسم الكتاب ” روائع إقبال ” من أشهر الكتب التي تحدثت عن هذا الشاعر ، مع العلم أن أبو الحسن كان قد خالط إقبال في حياته وجلس معه ، وهذا ما ساهم في صناعة الروح المتعلقة بذلك الشاعر .

* كتاب جديد في تاريخ الأدب العربي :

……… ، أن تاريخ الأمم والحكومات والحضارات والثقافات والمجتمعات والبيئات ، حتى تاريخ العلوم والآداب – بمافيها تاريخ الأدب والشعر – خاضع في كثير من الأحوال لاتجاه المؤلف وذوقه ، وفي بعض الأحيان لأهدافه الدقيقة وأغراضه البعيدة

من هذه البداية .. تكونت فكرة الفصل والتي شرع أبو الحسن في الحديث عنها ، وفي نهاية الفصل جائت البشارة ، بأن أستاذين بارزين من أساتذة ندوة العلماء في الهند ، قد تكفلا بوضع سلسلة من الكتب في تاريخ الأدب العربي على صورته التي ينبغي أن يكون عليها دون نزوح لذوق ولا لفئة ولا لمظهر .

معلومات عن الكتاب :

الكتاب : نظرات في الأدب

المؤلف : أبو الحسن الندوي

الناشر : مكتبة العبيكان

السعر : 12 ريال

عدد الصفحات : 154 صفحة من الورق المتوسط الأصفر

هذا ما تهيأ لي إعداده في هذا الاستعراض الذي ربما أكون قد أطلت فيه وماهذا إلا حرصا على إيصال الفكرة لتعجبو بها كما أعجبت ! ، و أيضا حبي الشديد لأبو الحسن دفعني للحديث عنه أكثر ، وشكرا لمن يقتني هذا الكتاب .. وشكرا لكم ، ” وربما يكون وقت الكتاب غير مناسب في العشر الأواخر ، ولكن لأنني أعددته على مهل طوال الفترة السابقة وانتهيت منه فأحببت المسارعة بنشره تقبل الله منا ومنكم ”

( تم تعديل رابط الموقع )

http://www.nadwi.net.in

9 تعليقات

  1. الله يعطيك العافية :)

    الصراحه أبو الحسن الندوي من الكبار !

    قرأت له ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين من أروع الكتب فكراً وسرداً …

    لعلي اقتني نظرات في الأدب ..

    شكراً لك لهذا العرض الرائع ..

  2. أنا أيضاً قرأت كتاب ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين …الكتاب رائع ومهم أن يقرأة كل شاب مسلم ….

    أشكرك على هذا المجهود …جعله الله في ميزان حسناتك…

  3. أشكركم ،

    ” ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين ”
    صاحب الرقم الأول
    في قائمة أفضل كتب أبو الحسن
    فهو كتاب ” أسطورة ” ومن يقرأه بعرف ذلك

  4. أبو الحسن الندوي..

    كانت أولى قراءاتي له:ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين…

    وقد أسرني مذ ذاك الحين…فعلا كما أسلفت ..أسطورة!!!

    مدونتكم هذه رائعة جدا..مفيدة جداً..ورسمت الابتسامة على محياي لأنها تنادي بقضيتي الكبرى”القراءة”

اترك رد