احتمال وارد، قصص قصيرة ..

10
2٬341
احتمال وارد، خالد الصامطي
احتمال وارد، خالد الصامطي

هذه التدوينة لا أطرحها لأتحدث عن هذا الكتاب الماثلة صورته أمامكم، بل لأتحدث أيضاً عن المبدع مؤلف هذا الكتاب، هنا ستجدون بعض قصص هذ الكتاب بالإضافة إلى نبذة عن المبدع خالد الصامطي ورأيي الشخصي عن هذا الكتاب الجميل.

يحمل هذا المؤلَف الصغير 15  قصة قصيرة تحكي واقع مجتمع ونبض شعب بأسلوب أدبي مذهل وجميل كما عودنا خالد الصامطي دائماً، عناوين هذه القصص الـ 15 هي /

“حالة استطراد طويلة”
“خطّ البلدة لا ينتهي”
“سقوط”
“مجرّد قارئ جيّد!”
“في جيدها عقدٌ من بلد”
“أعمى”
“احتمالات تزيد عن حاجة الحياة”
“أشعث أغبر”
“الرجل القادم”
“وضيع”
“ترقُّب”
“يرحلان”
“منتصف الليل و الوطن والأشياء الأخرى”
“موعد”
“هُنا”

حتماً أن خالد قد أحدث نقلة نوعية في المجال القصصي، العربي عامة والسعودي خاصة فقصصه بكل ماتحمله من سخرية وألم وحرمان وصدق وقوة تمثل إبداع جديد ومثير للقصة القصيرة في الخليج العربي.

وكل ماتحتويه قصص خالد الصامطي من شخصيات وأحداث تمثل جيداً الفترة الماضية والحاضر والمستقبل القريب، من يقرأ لخالد يعرف جيداً كم أحسن استغلال الكلمة والحرف في نشر رأيه -بكل صراحة- بسهولة وبسلاسة ندر أن نجد مثيلاً لها.

إحتمال وارد الكتاب الأول لخالد الصامطي يستحق جيداً القراءة والإطلاع، هنا وضعت لكم قصتين من قصص هذا الكتاب كنت قد وجدتهما مسبقاً في أحد المواقع، كونوا بخير : ) ..

  • القصة الأولى : “احتمالات تزيد عن حاجة الحياة”

أبدو كاحتمالٍ وارد جداً، سأحدثُ في أيّة لحظة.

أبي العزيز أينما كنت الآن..
أكتبُ لك للمرّة الأولى، وأخصّكَ بصفحاتي الأخيرة من هذه المدوّنة، أريدُ أن تعرفني تمهيداً للقائنا المرتقب. بالمناسبة، أنا من النوع الذي يرتَبكُ عندما يُعرّف بنفسه، أقع تحت ضغط احتمالاتي النرجسيّة التي أتجاهلها كثيراً. أنا ابنكَ المرتبطُ بالاحتمالات، أسيرُ جوارها، أنا من يجيدُ لغتها، أنا ابنكَ الذي نتأ على الأرض في الوقتِ الذي قذفوا بك من السماء، من مروحيّةٍ أنتَ وعشرات السجناء على يد القائد جاك ماسو ورفاقه، لتمسي رقماً من مليون ونصف المليون رقم من الشهداء. لقد أخبرني بذلك عمّي الذي هرَّبَنا إلى فرنسا، كنتُ رضيعاً بحِجرِ والدتي، كبرتُ وهو يخبرني عن أسرار حربكم، لم يكن ينسى شيئاً طيلة حياته، أو لأكن أكثرَ مصداقيّةً، لقد فعل ذلك مرّةً واحدة، عندما نسيَ أنّ أغلب سائقي الشاحنات في (كليرمون فيران) لا يكترثون بمن يقطع الطريق دون أن ينظر لكلا الاتجاهين، فمات.

أنا أيضاً، وُلدتُ على هيئةِ احتمالٍ بالموت نسبتهُ 80%، خرجتُ معلقاً بالحبل السرّي، ونظرات والدتي المتشنّجة، ومائة حبلٍ نسبيّ اخترتُ منها ما يخصّ الاحتمال المحرِّض، احتمال البقاء، مخيّباً بفعلي ظنّ ثمانين حبلٍ خاصٍ باحتمال النفاد، وبالطبع سأفعل، لأنني كنتُ قادماً من الفَنَاءِ على أيّ حال. بالمناسبة إن (الفَنَاء) هو الاحتمال رقم (3) من القائمة الخاصّة بمكان إقامتك الحاليّة، فأنا على مدى هذهِ السنين لا زلتُ غير قادرٍ على تحديد الأكيد، سأفعل قريباً، وقد يتم ذلك دونَ تلوين.

حسنٌ، دعني أوضّح جزئيّة التلوين.. أنا يا والدي اكتشفتُ أنّ الحياة ليست سوى مصنعٍ كبيرٍ للاحتمالات، ولا مناص من أن تكونَ بدايتهُ على يدِ أحد احتمالين، ماورائيّ، يقضي بالإيمان المطلق بالغيب، بالله. والآخرُ يفيد بصدفةِ بدءٍ محضة، أي أن الاحتمالات -في نقطةٍ قديمةٍ من الوقت- صنعت بدايتها بالصدفة، وبالنسبةِ لي لا أعتقدُ بالصدف كثيراً. أما نحن، أعني الأحياء، فإننا نخضع لاحتمالين أيضاً، الغياب –أنتَ تعرفهُ جيّداً- وهو احتمالٌ مسيطر، يفرضُ نفسه بالتأكيد، وأسمعُ همسهُ الآن. والثاني هو الحضور، التواجد بالحياة، التواجد كنوعٍ ضروري لتجسيدِ عمالةٍ جيّدةٍ لصنع احتمالاتٍ مختلفة: فكريّة، هوائيّة، ورقية، سائلة، احتمالات تحفظ بعيداً عن متناول الأطفال، معلّبة، شهوانيّة، دمويّة، احتمالات مخصصة للرؤوس التي تُعبّأ من الأمام، وأخرى للمعبّأة باحتمالات قديمة.. إلخ، والبشر أفضل صانعي الاحتمالات، جميعهم يفعل بجدارة؛ المتشردّون، رجال الأمن، الفلكيون، السَّاسة، الفلاسفة، المُحقّقون، الأطباء، الفيزيائيون، الهاربون، حتّى رجال الدين؛ إنهم مجرّد مستنتجي وصانعي احتمالات في واقع الأمر، ونصف عمَلهم قائمٌ على تعزيز ما يصنعون، ليتسنى لهم تطبيق النصف الآخر!

أعتقدُ أنّك ستقول بهلوستي، ولن أكترث بقولك، لأني أعي أتني شخصٌ عادي، شخصٌ فهمَ اللعبة جيداً. أنا أكتبُ قوائمَ بما ستؤول إليه الأشياء التي أهتم بها، وإذا قُضيَ أمرُ قائمة فيما بعد، أُلوّن احتمالاتِها باستثناء الصحيح الذي لا أستطيعُ تلوينهُ، لأنه –تماماً- كدقيقةٍ مضت لا أحد يستطيع عيشها والتصرف بها مجدداً. وهذا يا أبي كثيراً ما يُفقدني القدرة على الشعور بالمفاجآت. مثلما حدث مع بدء الأزمة العراقية –إذا كانت أخبارنا لا تصلكم فيؤسفني إخبارك بأن العراق سقطت، كبقيّة الأشياء التي تسقط- حين كتبتُ كلّ القرارات المحتمل صدورها من قبل الأطراف الكثيرة في القضية، والاحتمالات التابعة لكلّ قرارٍ قد يُتّخذ، وردَّة الفعل التي ستحدث على أرضِ الواقع لكلّ التابعات، النتيجة: إنني لا أتفاجأ الآن بأي حدثٍ جديدٍ في العراق، فجميعها –بالنسبةِ لي- مجرد احتمالات غير ملوّنة!

إن ما قلتهُ –من أمورٍ قد تُصوِّر حياتي صارمةً ومملة- لا ينفي أنني أُرفّهُ عن نفسي كثيراً، حتّى عندما أقوم بوضعِ احتمالات، هذا بحدّ ذاته فعلٌ مُسلٍ جداً. سأخبرك بموقفٍ تذكرتهُ الآن، ولك أن تضحك: ذهبتُ لحضور مباراة ليون وباريس سان جيرمان الأخيرة، جربتُ حينها كتابة احتمالات لنتيجة المباراة، لكني لم أشعر بحماسٍ تجاه هذه التجربة ولم أتابع المباراة جيّداً على أيّ حال، فقد أخذتُ أتسلّى خلال الشوط الثاني بالتفكير في الاحتمالات التي من الممكن أن تُجبر حكم الخطّ -الذي كان وحيداً في جهتهِ- على رفع الراية أو الجري إلى الداخل، في الوقت الذي كانت هجمات ليون متتاليةً في الجهةِ الأخرى من الملعب، كانت احتمالات قليلة جداً، مضحكة وغير متوقعّة، مثل اختناق حارس ليون بغطاء قارورة ماء، أو مطاردتهِ من قبل كلب مسعور فقد قرأتُ قبل فترة أن هذا احتمال ممكنٌ في السعوديّة.

صحيح، لم أخبرك بعد أنني في مكّة، لقد وصلتُ قبل يومين، كان الدافع رغبةً بتلبيةِ حاجتي إلى الموازنة بإضفاء عناصر روحانيّة، حاجتي إلى شعورٍ بتقليصِ الاحتمالات الواقعيّة والمنطقيّة، كنتُ أحتملٌ بأني سألمسُ عن قرب الرابطَ اللاهوتيّ الذي يسمحُ لي بالبكاء دون وضع مبرراتٍ مُقنعة، أو إيجاد الدافع الحقيقي وراء الخوف من الغيب. كنتُ أحتملُ أنني سأمرّ بتجربةٍ جديدةٍ تمكّنني، على الأقل، من تكوينِ احتمالاتٍ صحيحةٍ لمشاعر من يقوم بمعاقبة شرٍّ مجازيٍ بالجمرات، أو تجريب القدرة على القيام بمناجاة حاضرة الطرفين مع الله أمام الكعبة، لكنّني تخلّيتُ عن كلّ الدوافع السابقة اليوم، فقد بدأتُ أسمعُ همسَ احتمالاتِ الموت وبشكلٍ جادّ.

لذلك أكتب لك وأنا احتمالٌ مُلِحّ..
أكتبُ لكَ من حجرةٍ في فندق (لؤلؤة الخير) الموشك على الانهيار، إن بنايةً ضيّقةً، قديمةً، متهالكةً، وبطولِ أربعةِ أدوار؛ لن تتمكن من الصمود وهي تحتضنُ أكثر من مائتي حاجّ. لقد رأيتُ الشقوق تتمدد في سقف الحجرةِ بالأمس، كنتُ أتأمل حركتها قبل أن أنام! استيقظت على صوتُ أذان الفجر وهمسِ احتمالات الموت، وها أكتبُ لكَ بعد أن مضت ستّ ساعاتٍ تقريباً، خرجتُ خلالها خمسَ مراتٍ إلى الشارع، إلاّ أنني أطردُ أفكاري وأعود لألوّنها، وفي طريقي أتساءل عن مدى إمكانية توفير علبةَ ألوان للقاطنين في مكان ما بعد الموت! سرعان ما يقطعُ شرودي صوت احتمالاتي الممكنةِ جدّاً، أنتَ تتذكر ذلك الصوت، وعمّي -الذي لم ينسَ سوى مرّة- يتذكّرهُ أيضاً، أليسَ همساً غريباً يا والدي؟ والأغرب أنهُ لا يُخيفني الآن، اعتدتُ عليه بمضي الدقائق وانتشيت، إنهُ كأشياء نجهلها في طفولتنا، كصوت الآباء الذين يموتون باكراً، وكانعدام الصوت قبل حدوث الكوارث، إنهُ صوتُ الجري نحو السّلم عندما يكونُ احتمال سقوط جدارٍ إسمنتيّ أو بابٍ أو ثلاجةٍ حتّى أو ثمانين حبلٍ.. أسرعُ من الوقت المحتمل للنجاة.

أبريل 2006

إيلاف- مكة المكرمة «السعودية» 6 يناير2006: روى ناجون من حادث انهيار فندق (لؤلؤة الخير) هولَ الحادث الذي أسفر عن سقوط 76 قتيلاً على الأقل في موسم الحج. وقال الفرنسي من أصل جزائري طيب ميزاشا – 74 عاماً (كنت قد عدتُ للتو من صلاة الظهر عندما سمعت صوتاً رهيباً، اعتقدتُ أنه زلزال). وأكد ميزاشا أن أخبار 17 فرنسياً آخرين من أصلٍ جزائري انقطعت، وقد جاؤوا في إطار مجموعة من الحجاج من مدينة كليرمون-فيران الفرنسية.
  • القصة الثانية : ” في جيدها عقدٌ من بلد”

إنها جدّتي, ولقد ماتت..

صفيّة التي لولا أنّها وجدت نفسها -على سبيل القدر- امرأةً قرويّةً, ترعى الغنم, تطرحُ القصب لبقرتها, وتذهب كلّ صباحٍ للسقايّة, ولولا أنها أيضاً كانت تحصد “الخَضير” وتصدحُ بأهازيج المزارعين, لكانت شيئاً آخراً لا يختلفُ كثيراً برأيي. مثلاً: سيّدةً بريطانيّةً نبيلة, من طبقةٍ أرستقراطيّة طبعاً, تجمع اسطواناتٍ موسيقيّة لـ”باخ”, وتحبُّ لوحات بيكاسو و موديغلياني النادرة, تكتب مذكّراتها اليوميّة وتجاربها القديمة بكلّ جرأة, أو لكانت في بيئةٍ أقرب لما هي عليه, مثلاً؛ كعجوزٍ أستكلنديّة تجلسُ على كُرسٍ هزّاز, تستظلُّ بمدخلِ منزلٍ ريفيّ, تغزلُ شالاتٍ وبلائز صوفيّة لي ولبقية أحفادها الذين يعملون في مزرعةِ العائلة, وهي تنتظرُ مجيئ جدّي من الحانة, الذي بالتأكيد لن يكونَ “فايد” النائم في غيبوبةٍ تامّة منذُ شهر, بل “جيمس” أقوى المسنّين في المقاطعة, أو ربما “وليام” المحارب القديم الذي يروي دائماً حكايةَ قتلهِ لخمسةِ جنودٍ إنجليز, بثلاث رصاصاتٍ فقط!

لكنها -ببساطة ودون الحاجة إلى أيّ تبرير- جدّتي صفيّة التي ماتت!.
أعني أنها هي كما عاشت حقيقةً, لذا كانت تضحك راضيةً, وعندما تفعل ذلك؛ تَظهرُ أسنانها مكتملةً بيضاءَ كعقدِ لؤلؤ, وهي لم تستخدم المعاجين بالمناسبة. أكدت لي يوماً أنها ليست نادمةً على شيء, أو بالضبط؛ خلال ثمانين عامٍ لم تُعجبها أيّ عيشةٍ مُغايرة تتسببُ في تسرّبِ ندم, وكما قلتُ: لذلك تضحك, رغم أنّها تحزن عندما تحكي قصّةَ “الأغراب” الذين جاؤوا من الشّام.

هُناك يُطلقون على أيِّ شمالٍ بعيد مُسمّى “الشّام”, هذا ما تداركتُه عندما كانت تحكي لي في أجازةٍ قديمة: [هرجُهُم يابس, أتوا من صحراءٍ حولكم, لا فيها مطرٌ يرطّب أصواتَهم, و لا هُم يحصِدون]. متأكدٌ من أنها كانت تنتشي عندما تسترجعُ ذكرياتها, عدا تلك الفترة الناتئة على سطح ذاكرتها الصلبة, الفترة التي جاء فيها “الشيخ سعد” وحاشيته, تتذكّر اسمهُ جيّداً كما يفعل كلّ أهل القرى المحيطة, وعلى كلٍّ, فإن نسيانهم لهذا الاسم يُعدُّ أمراً غير واردٍ على الإطلاق, فقد أمسى مسمّىً لمدرسةٍ ثانويّة, وجامعٍ كبير. إنه الشيخ الذي أطلقَ عليها في الحقلِ لقباً التصقَ بها وكثيراً ما نوديت به.
أذكرُ أنني كنتُ جالساً جوار قدميها حينما تنهّدت: [قديماً يا إدريس, كنّا ورجال القرية نرعى, ونزرع, ونسقي, سُعداء, كما فُطرنا عشنا, لكنّ الأغراب حرّموا علينا فطرتنا, قالوا بأنّ النساءَ فتنة وما نفعلهُ هو الفسق بعينه, بعض النساء صدّقنهم, وتوارين في بيوتهنّ, فذهبتُ إلى الشيّخ, ورجوته بألاّ يُحرّم ما جُبلنا عليه من الحقّ, وقلتُ له أنه على حقٍّ أيضاً, وكلا الحقّين شرع, لكنهُ تجاهلني, كانَ الأقدر على الإقناع, فقد أتى برفقةِ الجنود والكلام الجديد. وذاتَ يوم لحق بي رجالٌ رجموني حتّى تفطّرت قدماي].

ولأنّ جدّتي أُميّة, فمن المنطقي أنها لم تقرأ ما يكتبهُ “إبراهيم الكوني” عن الصحراء, والأكثر منطقيّةً أنها لا تعرفُ أنّ فرض المناهج والوظائف الزراعيّة في إسرائيل فكرة صهيونيّة هدفها ترسيخ الحبّ والتعلّق بالأرض لدى أفرادهم. لكنّها مع ذلك تنفي بكلامها -من حيثُ لا تدري- فلسفةَ “الكوني” وتؤكّد نجاعة الفكرة الإسرائيليّة على المدى البعيد. ولكي لا تُتّهم بتبنّي مبادئ مُتطرفّة, يجب أن أقول إذا أتينا للحق, إن جدّتي ماتت وهي لم تسمع مُسبقاً بالصحراء الكبرى ولا “ليبيا” وتظنّ أن “تُركيا” امرأة, وأنّ اليهود “جِنّ”!

كنتُ, كمحاولةٍ لممازحتها, ومشاكستها بمالا تفهم, أتحدّثُ في آخرِ مرّةٍ رأيتها فيها عن حقوقِ المرأة, العولمة, إنفلونزا الطيور, والإنترنت, فقاطعتني وكأنها تكملُ حديثاً سابقاً: [لم نفارق أنا وجدّك الزراعة, لم يجبرني جدّك على بترِ جذوري الضاربة عُمقاً بالأرض, بل لم يكترث مثلي بما لقبوني به, وكان يمازحني باللقب أحياناً حتّى أحببتهُ بسببه, وذلك عندما ما “أنغزه” في خاصرته –الأمر الذي يجعلهُ يقفزُ بشكلٍ مُضحك-, إنّ جدك يا إدريس إنسانٌ رائع, لم يتخلَّ عنّي ولا عن مزرعته التي قطعها الإسفلتُ قبل عام, كنا نعمل بها غير مبالين بكلام الأغراب, ولا الذين تبعوهم بعد أن كانوا يوماً معنا, أجزمُ بأنهم في دواخلهم لم يقتنعوا, لكنّ الحديث الذي انتشر حينها عن الشرف والدياثة والعذاب المنتظر, أرهبهم].

ثمّة الكثير مما أريدُ قوله كتأبينٍ متأخرٍ لروحها بطريقتي, ولكني سأكتفي بالقليلِ كي لا أبدو كمن يحاول أن يجعل من جدّتهِ رمزاً تُخلّدهُ الحروف كجيفارا الذي لا أعرفُ عنهُ شيئاً. أنا هنا, أتذكرها فقط, فمنذُ أن عرفتُ نفسي في الرياضِ البعيدِة عنها, وأنا أنتظرُ كلّ أجازةٍ بشغف, علّنا نسافر إلى الجنوب, أدمنت حكاياتها تماماً كما هوَسي بالسفر والترحال الآن. وعلى الرغم من تخصصي الجيولوجيّ, إلا أنني لا أهتمّ بحالٍ من الأحوال بما يرافقُ الحقبات التاريخيّة من تغيّرات آيدولوجيّة. كلّ ما في الأمر, أن ثمة عجوزٍ اسمها صفيّة, ماتت, بعد أن اعتدتُ في كلّ زيارةٍ خاطفةٍ للقرية أن أستمعُ إليها بلحظاتِ استرخائها على السرير -بالمناسبة, ليسَ سريراً بالمدلول المتعارف عليه للكلمة, بل “قعادة” تُحاكُ حبالها من شجرةٍ بعد أن تُدفن في باطنِ الأرضِ لزمن, نسيتُ اسمَ الشجرة على كلّ حال.- كنتُ استغلّ فراغها وتأمّلها, أتأكد من كونها ليست منشغلةً بترتيل ما تحفظ من قرآن, أحرّضها على الحديث, وأستمتع, ليسَ لرغبتي وحرصي على حِكَمِ ووصايا الجدّات, ولكن لأنها تملكُ مشاعرَ دافئة, وحِساً كوميدياً بريئاً, تُساعدني بذلك على ركنِ كلّ تعبٍ خلّفَهُ الترحالُ بي, وأبتسم.

والآن لم تعد الجنوبُ “صفيّةً” لأُسافر, ماتت, كشجرةِ زيتونٍ أُجتثت من مكانها, ماتت وهي تُصلّي تماماً كما قرَّرت في أدعيةٍ مضت. أتذكر مرّةً أثناء جلوسي بجوارها, دخل وقتُ الصلاة, قامت لتأديتِها, وفي طريقها -بعد أن “نغزتْ” جدّي الذي بالكاد يسمع, والذي طرحتهُ الأمراض من سكّرٍ وضغطٍ وقولون وروماتيزم, وغاب وعيهُ بعد وفاتها- قالت: [أَذّن, يا فايد] نظر إليها وهو يبتسم ويعتدل جالساً, بصوتٍ مبحوحٍ ساخرٍ قال:
[من؟ حمّالة الحطب!]
ضحكتْ جدتي, ورأيتُ أسنانها المكتملةَ البيضاءَ كعقدِ لؤلؤ.

الرياض
13 نوفمبر 2005

من هو خالد الصامطي؟

  • خالد بن علي الصامطي من مواليد الخامس من مارس1981 بمدينة الرياض
  • حصل على بكالوريوس ترجمة لغة عبرية من جامعة الملك سعود بالرياض
  • يقوم حالياً بدراسة الماجستير في تخصص نظم المعلومات في جامعة ديبول في شيكاغو- أمريكا
  • حاصل على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة بمهرجان الشباب العربي العاشر بالخرطوم 2005.
  • حاصل على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة التي أقامتها جمعية الثقافة والفنون بالأحساء 2005.
  • لمعرفة خالد أكثر وأكثر اضغط هنا لتقرأ ماكتبه عن نفسه بقلمه .
  • البريد الإلكتروني لخالد الصامطي : [email protected]
  • مدونة خالد الصامطي :  http://www.samti.me  (مدونة رائعة حقاً)

قراءة ممتعة ولطيفة، في أمان الله :)

-معلومات أكثر عن (احتمال وارد) /

  • عنوان الكتاب: احتمال وارد
  • المؤلف: خالد الصامطي
  • الناشر: رحلة حياة للنشر
  • الطبعة الأولى 1428هـ -2007م
  • تصميم الغلاف: نورة العفالق
  • الرسومات الفنية: أروى العمر
  • عدد الصفحات:58
  • عدد القصص: 15 قصة
  • سعر الكتاب: 12 ريال سعودي
  • يتوفر حالياً في: مكتبة جرير والعبيكان ومكتبة المكتبة

10 تعليقات

  1. سرتُ من هنا نحو غمار مضيئة..
    جميلٌ جداً سرد الصامطي في مجموعته ..
    أسلوبهُ رائع .. يرسم الصورة كما تتجلى للخيال بعنفوان .

    شكراً فقد ألقيتَ لي بخيطٍ رفيع مثخن بالمتعة ..

  2. أسلوبه رائع حقا ..قرأت الثانية اعجبتني كثيرا (: ..
    أعتقد أنها أكثر من مجرد مجموعة قصصية ..

  3. قرأت مجموعته القصصية…
    رائعة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني…
    هنيئاً له بهذا الإبداع…
    شكرا أخ محمد

اترك رد