عشتُ لأروي..قصة القصة!

10
2٬555

عشت لأروي

غابرييل غارسيا ماركيز

” الحياة ليست ما يعيشه أحدنا ، وإنما هي ما يذكره، وكيف يتذكره ليرويه”

لن أتحدث في السطور القادمة عن الكاتب الذي سحرني خلال عام وبضعة أشهر، إنما عن الإنسان الذي قرأت سيرة حياته التي لا تختلف مقدار ذرّه عن حياة أي إنسان آخر!

إلا أن غابيتو قررّ أن يكتبها بروحه التي لا يمكن أن تسبر غورها إلا من خلال الابحار في رواياته وقصصه القصيرة.

نصيحة قبل تتبع أحرفي هنا، هناك الكثير من الأحداث التي نقلها غابرييل غارسيا ماركيز عن حياته الحقيقية لرواياته ، ربما تكون اقتباساتي هنا بمثابة (إفساد) لما تخفيه كتب لم تقرأوها بعد!

لكن ما المانع من القراءة ؟

ربما يكون هذا المتصفح طُعماً صغيرا يقودكم لاقتناء كافة اعماله وانهاءها خلال الاجازة الصيفية.

يبدأ الكاتب في سيرته بسرد قصة رحلته مع والدته لبيع البيت الذي عاش فيه طفولته المختلفة، مع جدّيه وقريباته.

في هذه الرحلة يواجه والدته بحقيقة أن الكتابة هي حرفته التي لن يتخلى عنها، وان أي شيء آخر عداها لا يثير اهتمامه.

الحوار الذي يدور بينهما ويسجله غابرييل على الصفحات يذكرنا بالحوار الذي يدور بين الآباء وابناءهم ، عندما تصطدم طموحاتهم بما يخططه الوالدين منذ لحظة الميلاد!

” كنت أفكر في أنها لن تستسلم أبداً، وستواصل البحث عن خاصرة ضعيفة تكسر من خلالها قراري”

غابيتو لا يغفل التفاصيل الصغيرة، حتى وهو يكتب لنفسه وعن نفسه، كنت اظن أن روعة تلك الصور والدقائق الطويلة التي نمضيها في تتبع وصف ما في رواياته هي مجرد صنعة فنية أو تقنية يعمل بها لإبهارنا. وتبين لي العكس عندما قرأت الروعة التي يسرد بها تفاصيل المدينة التي وصلها، رحلة النهر ، البيوت المتهالكة والملابس والوجوه!

خلال تلك الرحلة أيضا يلتقي برعب طفولته الدكتور الفريدو باربوثا ، ويؤكد انه ما زال يشعر بذات الرعب الذي احسّ به اول مرة التقى به.

” حدثته عن الزرافة- عمودي اليومي في صحيفة الهيرالدو- وأطلعته على خبر إننا ننوي عن قريب، إصدار مجلة نبني عليها آمال كبيرة ، وأخبرته كذلك وقد ازددت ثقة بنفسي بتفاصيل المشروع وحتى اسم المجلة ، كرونيكا.

أمعن النظر إلي من أعلى إلى أسفل وقال:

لا أدري كيف تكتب ولكنك تتكلم ككاتب منذ الآن! “

عند وصوله ووالدته إلى بيت جدّيه يبدأ باسترجاع الذكريات المحببة إلى نفسه ، ورعبه من صوت القطار الذي يمر وقت الظهيرة.

” لم نكن نستطيع التنفس أحيانا من عبق الياسمين  الحار- قالت وهي تنظر إلى ا لسماء المبهرة، وتنهدت من  اعماق روحها وهي تضيف: لكن ما افتقده منذ ذلك الحين، هو رعد الساعه الثالثة مساء.

لقد اذهلتني، لانني كنت أتذكر كذلك الدوي الوحيد الذي كان يوقظنا من القيلولة وكأنه تدحرج احجار ولكنني لم انتبه قط إلى انه لا يحدث إلا في الساعة الثالثة”.

يسير بنا غابرييل حول المنزل متنقلا بين الغرف التي لم يتبقَ بها إلا أنصاف الأشياء ، هذا الوصف العميق للبيت يعكس بذاكرتي بيت آل بوينديا في رواية مئة عام من العزلة، ويمر على ذكر قصة والدته حين استضافت زميلات الدراسة ذات عطلة مما حدا بجديه إلى شراء سبعين مبولة لهم!

وفي رواية مئة عام من العزلة استضافت ريناتا ريميديوس (ميمي) ابنة اورليانو الثاني وفيرناندا ديل كاربيو ، صديقات المدرسة الستين دون سابق إنذار، مسببة ورطة كبيرة لأورسولا!

وفيما اختص بانتقال أسرة والدته إلى اركاتكا فقد سبق ذلك حادثة مبارزة بين جده وبين بيداردو باتشيكو، انتقل بعد مقتل الثاني هارباً بأسرته وعدّة صياغة السمكات الذهبيات التي ورثها عن والده.

جدّه كان الرجل الأول في حياته ومن خلاله تعلم ابسط الأشياء، وتفتحت رؤيته على عالم الكبار.

كان البيت مليئا بالنساء ، مما جعلهما متواطئان مع بعضهما في اغلب الأوقات.

يذكر منها رحلته للسيرك، وحادثة الجمل ذو السنام التي تبعها تعرفه على المعجم إذ نشب خلاف بين جده وبين رجل في السيرك حول الجمل ذو السنامين والجمل ذو السنام.

ووجد الإجابة في المنزل في الكتاب الذي قال عنه جدّه.

” الكتاب الذي لا يعرف كل شيء وحسب، بل هو الكتاب الوحيد الذي لا يخطئ أبداً”

وذات مره بعد أن أصاب غابيتو السيدات في منزل جديه بالإعياء جراء التنظيف خلفه بسبب رسوماته التي ملأت الجدران، أمر جده بطلاء جدار غرفة المشغل باللون الأبيض ومنحه عدة ألوان مائية ليرسم كما يشاء عليه.

فبدأ برسم قصص مسلسلة قبل تعلّم الكتابة، وهكذا نمت لديه القدرة على صنع سياق مرتب من الأحداث أبهر بها أفراد عائلته.

” كانت حكاياتي في معظمها أحداثا بسيطة من الحياة اليومية اجعلها أكثر جاذبيه بتفاصيل متخيلة كي يصغي إلي الكبار، وكانت أفضل مصادر إلهامي هي الأحاديث التي يتبادلها الكبار أمامي لأنهم يظنون إنني لا افهمها فيشفرونها عمداً كي لا أفهمهما لكن الأمر كان خلاف ذلك، كنت امتصها مثل اسفنجة ثم افككها إلى أجزاء واقلبها لكي أخفي الأصل، وعندما أرويها للأشخاص أنفسهم الذين رووها تتملكهم الحيرة للتوافق الغريب بين ما أقوله وما يفكرون فيه”

***

والد غابيتو عازف الكمان الذي كان يتقن أعذب السيرنادات يعزفها لوالدته عند الفجر ، عامل التلغراف البسيط الذي قوبل بالاستهجان!

ألا يذكركم بـ فلورينتينو اريزا ؟

والدته التي حُملت على ظهور البغال بعيداً ، لكي تستعيد صوابها وتحجم عن مغامرة الارتباط به هل تربطون بينها وبين إحدى بطلات غابرييل .. فيرمينا داثا مثلاً ؟

مع قراءتي لأول سطور حكايتهما شعرت إنني سأرقص فرحاً أن الحب في زمن الكوليرا كانت رواية مقتبسه من واقع وليست متخيله !

وأن البطلان يتزوجان في النهاية وينجبان ابنا سيخلد ذكرياتهما في أجمل روايات الحب..

التقى والده ووالدته في مأتم احد الأطفال ، ثم تتابعت لقاءاتهم حتى كانت إحدى الليالي وسلمها وردة وقال : ” أسلمك حياتي في هذه الوردة”.

أما والدته السيدة المكافحة، الغيورة التي تستخدم حاسة الشمّ في التعرف على الأماكن التي يرتادها زوجها وابنها من الرائحة التي تعلق بهم، وتذكرني مجددا بفيرمينا !

إخوته وأخواته لم يكن يراهم إلا فترات بسيطة ومتقطعة خاصة عندما التحق بالدراسة الجامعية، وعنهم يروي بعض الحكايات التي تجمع بين العجب والدراما والمأساوية في أحيان أخرى.

أخته مارغوت كانت تلتهم التراب في صغرهم، لتذكرنا مجددا بروبيكا في مئة عام من العزلة.

أما أخواته الأخريات فقد صدرت بحقهم تلميحات في نشرة الفضائح مما أثار حفيظة والده ذات مرّه، هذه النشرات كانت تعلق في سوكري والتي بنى عليها رواية ” في ساعة نحس” ويقول أن الأحداث التي ذكرت ليست بالضرورة هي نفسها ، لكنه استقى من تلك الظاهرة الاجتماعية فكرة استخدمها كنقطة انطلاق.

يروي تفاصيل منزل أسرته وإخوته بكمّ هائل من الحنين، وكأن شيئا يشبه الندم بداخله تجاه ابتعاده عن أسرته.

” تلك التبدلات في حياتي وأسلوبي في العيش، كانت تستجيب للتبدلات التي طرأت على أسرتي، ففي كل زيارة تبدو لي مختلفة بفضل إصلاحات وتحولات أبويّ، وبسبب الإخوة الذين يولدون ويكبرون متشابهين جدا، إلى حد يسهل معه الخلط بينهم أكثر من التعرف عليهم”

***

نُشرت القصة الأولى له بعد تسعة أشهر من تخرجه من المرحلة الثانوية، وبعدها بفترة نشرت قصته الثانية.

قصته الأولى  ( الاستسلام الثالث) التي كانت كتابتها بمثابة مخاض طويل، ذات ثلاثاء في جريدة الاسبيكتادور.

” كان رد فعلي الأول هو اليقين الساحق بعدم امتلاكي خمسة سنتات لشراء الصحيفة، وقد كان ذلك هو الرمز الأكثر جلاء للفقر، لان أشياء كثيرة أساسية من متطلبات الحياة اليومية، فضلا عن الصحيفة ، كانت تكلف خمسة سنتات”

في ذلك اليوم وجد غابرييل رجلا يترجل من تاكسي ويحمل معه الاسبيكتادور فطلب منه مواجهة أن يهديها له. هكذا استطاع قراءة قصته الأولى!

مع مرور الوقت تحول شيئا فشيئا إلى الكتابة الصحفية ومن خلال ذلك توصل إلى حقيقة أن الريبورتاج الصحفي والرواية هما ابنان لأم واحده !

***

غابرييل الإنسان كان مدمن تدخين من الدرجة الأولى ، ويتحدث في سيرته عن معركته للاقلاع عنه، بلا جدوى.

” خلال عشاء عارض في برشلونة، كان طبيب نفسي صديق يشرح لآخرين أنه ربما كان التدخين هو الإدمان الذي يصعب التخلص منه أكثر من سواه، فتجرأت على سؤاله عن السبب العميق وراء ذلك، فكان رده تبسيطاً يبعث على القشعريرة:

– لأن ترك التدخين سيكون بالنسبة لك، أشبه بقتل كائن عزيز.

ما حدث كان أشبه بتفجر بصيرة، لم اعرف السبب قط ولم أشأ معرفته، لكنني سحقت في المنفضة السيجارة التي كنت قد أشعلتها للتو، ولم أعد للتدخين بعدها، بلا جزع ولا أسف، طوال ما تبقى من حياتي”

كان إلى جانب إدمانه للتدخين، محبا للموسيقى والكلاسيكية بالدرجة الأولى ، إلى جانب الحان الكاريبي والموسيقى اللاتينية.

كان يرتاد مكتبة ليقرأ الكتب ويستمع لموسيقى يطلبها من الموظفة مكتوبة على الورق،

وفي نيومكسيكو خلال كتابته لمئة عام من العزلة، كان يستمع إلى اسطوانتين بلا توقف هما ، الاستهلالات لديبوسي ، ويا لليلة ذلك اليوم للبيتلز.

ومن الآلات يهوى التشيلو والكمان!

***

ربما أغفلت الكثير من التفاصيل التي ذكرها غابيتو في كتابه عشت لأروي عمداً ، لكي اترك لكم مساحة فضول اكبر!

لفت نظري كثيرا الرسائل التي يدسها بذكاء لتبين توجهه السياسي، مثل أحاديثه حول الثورات اللاتينية، وكاسترو الذي أصبح صديقا له فيما بعد.

بدأ ماركيز الكتاب برحلته مع والدته وختمه بالحديث عن زوجته ، لا اعلم لماذا قرأت في هذا رائحة تقدير كبير يحمله للنساء الذين عبرن حياته، أن تبدأ سيرتك بأمك وتنهيها بزوجتك عظيم جداً !

قبل أن تكون مرسيدس زوجته بعث لها برسالة من على متن الطائرة بانتظار إجابتها له.

” إذا لم أتلق جواباً على هذه الرسالة، قبل مرور شهر فسوف أبقى لأعيش في أوروبا إلى الأبد”

10 تعليقات

  1. هيفاء أنتِ رائعة هنا !

    يبدو إن لماركيز قدرة استثنائية لجذب انتباه القارئ
    من أول كتاب و ربما من أول صفحة !

    هل تنصحين بقراءة رواياته قبل السيرة أم كلاهما سيان ؟

    :)

  2. في الحقيقة قرأت له رواية مائة عام من العزلة وقد أعجبتني إلى حد الهول فكما قلتِ فإنّ اهتمامه بالتفاصيل يجعل القارئ يعيش مع الحدث ومع الشخصية وبالرغم من أن الكثير أعابوا على الرواية كونها غريبة ومتشابكة إلا أنني أراها إبداع لا متناهٍ…
    لقد شجعتني على قراءة سيرته الذاتيه هذه ..
    شكراً جزيلاً

  3. ربما اعيش لاروي عزلة هذا الكاتب التي اخرجته من عالم العزلة…و ادخلته في خريف ذلك البطريرك…ليتذوق طعم ساعة النحس…

  4. قرأت له مئة عام من العزله وكانت بالنسبة لي غريبه ولكني فتنت بها وبهٍ

    وفرحت كثيراًعندما علمت هنا أن له كتاب في سرته الذاتيه

  5. آخٍ منك يا غابرييل ماركيز ….
    أصبحتُ بعد روايتك ( مئة عام من العزله ) مجرد ذكر اسمك يشد كل حواسّي ..!

    كلي حماس لأقتني هذه السيره لكاتب عظيم ..
    بل لأقتني كل مؤلفاته :)

  6. بجد إنسان رائع ألهمني في الكثير من الامور
    جعلني أرتب أولوياتي بالحياة من جديد
    شكرأً على المجهود الرائع

اترك رد